برنامج المجتمع الفلسطيني/

أحداث / ورشة فكريّة حول مشروع "حركة الفلسفة والعلوم من الحضارة العربيّة إلى الحضارة العربيّة الإسلاميّة" (كانون الثاني 2026)
big-img-news
بواسطةMada Admin | 11 يناير 2026

ورشة فكريّة حول مشروع "حركة الفلسفة والعلوم من الحضارة العربيّة إلى الحضارة العربيّة الإسلاميّة" (كانون الثاني 2026)

عقد مدى الكرمل– المركز العربي للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة ومركز الدار للبحث والفن والعمارة ورشةً فكريّة لمناقشة المشروع الفكريّ للبروفيسور جمال ضاهر حول حركة الفلسفة والعلوم من الحضارة العربيّة إلى الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وذلك يوم السبت 10 كانون الثاني 2026 في مدينة الناصرة. يتكوّن هذا المشروع من ثلاثة كتب صدرت تباعًا: "من الحضارة العربيّة إلى الحضارة العربيّة الإسلاميّة" (2021)، و"في الحضارة العربيّة الإسلاميّة وفي حركة العلوم والفلسفة فيها" (2023)، و"النساء والرسول والسياسة: في الحضارة العربيّة والعربيّة الإسلاميّة" (2025)، والتي شكّلت مجتمعةً إطار النقاش في الورشة. أدار الورشة ضاهر زيداني، مؤسس شريك لمساحة "الدار" للبحث والفن والعمارة وقامت بتنسيق الورشة أمنية زعبي، مساعدة بحث في مدى الكرمل.

افتُتِح اللقاء بكلمة رزان زعبي، مؤسِّسَة محترف "مزيّن" لحفظ الموروث المعماري والشريكة في تأسيس "الدار" للإقامة الفنية المعمارية، حيث رحبت بالحضور وتناولت مشروع الدار وسياقه الفكريّ، أعقبتها مداخلات بحثيّة قاربت المشروع من زوايا معرفيّة ومنهجيّة متعدّدة.

قدّم د. وسام جبران، باحث ومؤلّف موسيقي ومبرمج ذكاء اصطناعي، قراءةً نقديّةً متماسكةً للكتاب الأوّل من مشروع البروفيسور جمال ضاهر الفكري، ركّزت قراءته على التحوّل المنهجيّ في المشروع من الدفاع عن أصالة الذات العربيّة إلى نقد بنيتها السلطويّة، منطلِقًا من مفهوم "التبئير" بوصفه منهجًا لقراءة الفكر العربيّ–الإسلاميّ من داخله، بعيدًا عن المقارنة الدائمة بالغرب أو استبدال مركزيّة بأخرى. وأبرزت المداخلة قراءة ضاهر للإمام عليّ بن أبي طالب بوصفه مؤسّسًا مبكّرًا لنسق عقلانيّ وفلسفيّ، وإعادة تعريف الأصالة باعتبارها قدرة إبداعيّة ناتجة عن التفاعل الحضاري لا النقاء الثقافي. كما توقّفت عند انتقال ضاهر، في كتابه الثاني، إلى تفكيك علاقة النص بالسلطة، ولا سيّما في قضايا التدوين وصورة النساء، ليخلص إلى أنّ مشروعه يمثّل مسارًا نقديًا ناضجًا يسعى إلى تأسيس فلسفة عربيّة قادرة على مساءلة ذاتها والانخراط في حوار إنساني كوني.

ركّزت مداخلة د. ردينة غانم، باحثة في فلسفة العلوم وحاصلة على درجة الدكتوراة من جامعة تل أبيب، على الكتاب الثاني من السلسلة، وتناولت تفكيك الصور النمطيّة وإعادة قراءة نشأة الحضارة العربيّة–الإسلاميّة بعيدًا عن السرديّات التي تختزلها في الترجمة أو التأثّر الخارجي، من خلال منهج نقدي يدعو إلى تفكيك الأفكار المسبقة قبل بناء الأحكام، وقراءة الفكر والعلوم بوصفهما نتاجًا لتاريخ الشعوب وشروطها الداخليّة، بما يبيّن أنّ ازدهار العلوم والفلسفة قام على تراكمات ثقافيّة ومعرفيّة ومسار داخليّ أصيل. وتناولت المداخلة محاور اللغة والفكر والعلوم، مبرزةً دور اللغة والنحو كشرط معرفيّ أسهم في بناء التفكير وضبط الدلالة، واستقلاليّة الفلاسفة المسلمين في إعادة بناء المفاهيم داخل أفق حضاريّ خاص، إضافة إلى اعتماد المنهج القائم على الملاحظة والتجربة والاستقراء كما تجلّى في أعمال علماء مثل جابر بن حيّان والرازي وابن الهيثم. اختُتمت المداخلة بطرح سؤال مفتوح حول إمكانيّة إعادة بناء "بدايات" الفكر والفلسفة والعلوم في حضارتنا في أفق قراءة تاريخيّة نقديّة تُنصف الحضارة العربيّة–الإسلاميّة بوصفها فضاءً معرفيًا فاعلًا ومنتجًا.

أما د. عرين هواري، المديرة العامّة لمدى الكرمل، فقدّمت قراءة نقديّة للكتاب الثالث من السلسلة، تنطلق من الإشادة بأسلوبه العميق والسلس وبالمقدّمة التي تضع تأطيرًا قويًا للأطروحة المركزيّة، والتي تتمحور حول نقد تبنّي الأطر المعرفيّة ونسخها دون العودة إلى النصوص والشواهد التاريخيّة، ولا سيّما في ما يتعلّق بالحضارة العربيّة ثم العربيّة الإسلاميّة والقطيعة مع الحضارة العربية منذ نهاية القرن الثالث للهجرة، وإعادة تشكيلها كحضارة بدو ورُحّل نقيضًا للحضر والحضارة. أشادت المداخلة بالمنهج القائم على العودة إلى أمّهات الكتب وباستعراض أسماء وممارسات نساء في الشأن العام قبل الدعوة وخلال الفترة العربية الإسلامية الأولى، بما يؤكّد وجود منظومة اجتماعيّة لا يمكن اختزالها بالذكوريّة، وبأنّ المشروع الدينيّ لم يقفز على الثقافة السائدة. وفي المقابل، طرحت المداخلة نقاشًا نقديًا حول سؤال النظريّة والمنهج، ومركّب الذاتيّة، ووهم الموضوعيّة، رافضة الاكتفاء بذاتيّة الباحث أو الدعوة إلى البدء من الصفر، مؤكّدة أهميّة الانكشاف، والاشتباك، والنقد، والمراكمة على ما قدّمته باحثات نسويّات عربيّات ومسلمات عدن بدورهن إلى النصوص التأسيسيّة ليقمن بالتنظير. كما أضافت بأن فصول الكتاب لا تشتبك مع هذا التراكم النسويّ، وتغفل بعض القضايا التي طرحتها مفكّرات نسويّات مسلمات، منها مثلًا عدم إشارة الكاتب لحضور نساء في مبايعة الرسول رغم أن الفصل يتحدّث عن النساء وخلاله يشير الباحث إلى قضيّة مبايعة الرسول، ومنها مثلًا دور الفقه الإسلامي، في مأسسة الذكوريّة مقابل العدالة الجندريّة الحاضرة في القرآن الكريم، لتخلص إلى أنّ الكتاب يجمع بين جماليّة اللغة والعمق الفكريّ، والتأصيل التاريخيّ.

تلت المداخلات تعقيبات حول الكتب أو مواضيع تناولتها الكتب، حيث عقّبت د. تماضر إبراهيم، الحاصلة على الدكتوراة في الأدب العربيّ، على كتاب "في الحضارة العربيّة الإسلاميّة وفي حركة العلوم والفلسفة فيه"وجاء في تعقيبها: يقدِّم جمال ضاهر في كتابه قراءة نقديّة لتاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة تقوم على تسلسل زمنيّ واضح، وتهدف إلى تحرير العقل العربيّ من صورة التبعيّة وإعادة الاعتبار له بوصفه عقلًا مُؤسِّسًا ومُبدعًا. يبدأ بتفنيد الصورة النمطيّة عن العرب قبل الإسلام، مبرزًا امتلاكهم معرفة قائمة على الملاحظة والتنظيم ونقدًا ثقافيًّا ولغويًّا واعيًا. ثمّ ينتقل إلى مرحلة الدعوة، حيث يرى أنّ الفكر الفلسفيّ انطلق مع الإمام عليّ بن أبي طالب ويتابع تطوّر هذا المسار في العصر العبّاسيّ مع الكِندي، ويخلص الكتاب إلى أنّ العقل العربيّ كان عقل تأسيس ونقد وإنتاج، وأنّ المطلوب اليوم إعادة قراءته بثقة ومنهج علميّ واعٍ.

أما د. أماني هوّاري، وهي حاصلة على الدكتوراة في اللغة العربية من جامعة حيفا، فقد تناولت قضيّة المعارف عند المعتزلة وكيفيّة الوصول إليها، لا سيّما معرفة الله. وهي قضيّة اختلف فيها المعتزلة مع خصومهم، كما اختلفوا حولها فيما بينهم. كان للجاحظ وبعضٍ من رجال المعتزلة الذين سمّوا بــ "أصحاب المعارف" قولٌ مغاير خاصّ بهم، ألجأ الجاحظ إلى توظيف نظريّة منطقيّة عقائديّة تساعده في الدفاع عن قوله، نظريّة "الصرفة".

بعد ذلك قدم بعض المشاركين مداخلات قصيرة في نقاش المشروع. واختتم اللقاء بإجمال وتعقيب البروفيسور جمال ضاهر حيث قام بعرض المرجوّ تحقيقه من المشروع: التأصيل للحضارة العربيّة الإسلاميّة بالحضارة العربيّة بكونها امتدادًا لها، بحركتيها الفلسفيّة والعلميّة. ثم أجاب عن الأسئلة التي وجّهها الحضور، وتلك المتضمَّنة في بعض التعقيبات. وقد أوضح أن رفض الاستدلالات عمّا هم العرب، عرب ما قبل الدعوة، التي توصل إليها في الكتب الثلاثة موضوع اليوم الدراسي، عليه أن يُدعم. مثل إظهار أن المعلومات التي جاء بها لا يُستدلُّ منها ما توصل إليه، أو أن المصادر التي اعتمد عليها مشكوك في أمرها ابتداءً، أو أن البحث في اللغة يُظهر أن الألفاظ المتضمنة في النصوص التي قام بتحليلها لم تكن مستخدمة في تلك الفترة، وأن هنالك مصادر تاريخية أولية تتضمن معلومات تتناقض والاستنتاجات التي توصل إليها. كما وعليه أن يجيب عن جميع الأسئلة المرتبطة. أسئلة من مثل: كيف للعرب ألّا يأخذوا بالقياس كمنهج علمي بينما أخذوا به كمنهج فلسفي إذا كانوا حقا بدوًا ورحّل؟

عُقد هذا اللقاء تمهيدًا للورشة التي سينظّمها مدى الكرمل خلال النصف الأول من عام 2026. تهدف هذه الورشة إلى إتاحة قراءات معمّقة في نصوص عربيّة وإسلاميّة مُؤسِّسة في علم السياسة والاجتماع والتاريخ والعمران البشريّ، وذلك من أجل التعرّف على الإنتاج المعرفيّ والنظريّ الذي طرحته هذه النصوص حتى منتصف القرن الماضي. كذلك تهدف إلى التبّحر في فهم المجتمعات العربيّة من خلال نصوص أصيلة ومن داخل السياق الثقافي العربيّ والإسلاميّ.

الاكثر قراءة